محمد بن جرير الطبري

227

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

بساتين ( 1 ) = " تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا " ، يقول : باقين في هذه الجنات التي وصفها ( 2 ) = " أبدًا " ، دائمًا . = وقوله : " وعد الله حقًّا " ، يعني : عِدَةٌ من الله لهم ذلك في الدنيا = " حقًّا " ، يعني : يقينًا صادقًا ، ( 3 ) لا كعدة الشيطان الكاذبة التي هي غرور مَنْ وُعِدها من أوليائه ، ولكنها عدة ممن لا يكذب ولا يكون منه الكذب ، ( 4 ) ولا يخلف وعده . وإنما وصف جل ثناؤه وعده بالصدق والحق في هذه ، لما سبق من خبره جل ثناؤه عن قول الشيطان الذي قصه في قوله : " وقال لأتّخذن من عبادك نصيبًا مفروضًا * ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام " ، ثم قال جل ثناؤه : " يعِدُهم ويمنيهم وما يَعِدهم الشيطان إلا غرورًا " ، ولكن الله يعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات أنه سيدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ، وعدًا منه حقًّا ، لا كوعد الشيطان الذي وَصَف صفته . فوصف جل ثناؤه الوعدَين والوَاعِدَيْن ، وأخبر بحكم أهل كل وعد منهما ، تنبيهًا منه جل ثناؤه خلقَه على ما فيه مصلحتهم وخلاصهم من الهلكة والمعطبة ، ( 5 ) لينزجروا عن معصيته ويعملوا بطاعته ، فيفوزوا بما أعدّ لهم في جنانه من ثوابه . ثم قال لهم جل ثناؤه : " ومن أصدق من الله قيلا " ، يقول : ومن أصدق ، أيها الناس ، من الله قيلا أي : لا أحد أصدق منه قيلا ! فكيف تتركون العمل بما وعدكم على العمل به ربكم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ، وتكفرون به وتخالفون أمره ، وأنتم تعلمون أنه لا أحد أصدق منه قيلا وتعملون

--> ( 1 ) انظر تفسير " جنات " في مادة ( جنن ) فيما سلف من فهارس اللغة . ( 2 ) انظر تفسير " الخلود " فيما سلف من فهارس اللغة . ( 3 ) انظر تفسير " الحق " فيما سلف 7 : 97 . ( 4 ) في المطبوعة : " ولكن عدة . . . " ، وأثبت ما في المخطوطة . ( 5 ) في المطبوعة : " والعطب " ، وهي صواب ، وفي المخطوطة : " والعطبة " ، فآثرت كتابتها كما رجحت قراءتها ، والمعطب والمعطبة ، جمعها معاطب .